ابن ميثم البحراني

46

شرح نهج البلاغة

نفاضة العرك وهو ما يبقى في أسفل العدل من أثر الزاد أو الحنطة ونحوها . ثمّ استعار لفظ العرك لتقليب الفتن لهم ورميهم وتذليلهم بها كما يذلَّل ويليّن الأديم ، وكذلك استعار لفظ الدوس لإهانتهم لهم وشدّة امتهانهم إيّاهم بالبلاء ، وشبّه ذلك بدوس الحصيد من الحنطة ونحوها وهو ظاهر ، ثمّ أشار إلى استقصاء أهل تلك الضلالة على المؤمنين واستخلاصهم لهم لإيقاع المكروه بهم ، وشبّه ذلك الاستخلاص باستخلاص الطير الحبّة السمينة الممتلية من الفارغة الهزيلة وذلك أنّ الطير ترتاز بمنقاره سمين الحبّ من هزيله فيخلَّى عن الهزيل منه . ثمّ أخذ يسألهم على سبيل التهكَّم والتقريع لهم ببقائهم على غوايتهم فسألهم عن غاية أخذ مذاهب الضلال ، وعمّا تتيه بهم ظلم الجهالات ، وعمّا تخدعهم أوهامهم الكواذب جاذبا لهم إليه ، منكرا عليهم مطلوبا آخر غير اللَّه تعالى ، رادعا لهم من طريق غير شريعته . ثمّ سألهم عن الجهة الَّتي يؤتون منها : أي من أين أتتكم هذه الأمراض . وهو عليه السّلام يعلم أنّ الداخل إنّما دخل عليهم من جهلهم لكن هذا وجه من البلاغة وذكرنا أنّه يسمّى تجاهل العارف وهو كقوله تعالى « فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ » وكذلك قوله : فأنّى تؤفكون : أي متى يكون انصرافكم عمّا أنتم عليه من الغفلة . وقوله : ولكلّ أجل كتاب ولكلّ غيبة إياب . تهديد بالإشارة إلى قرب الموت وأنّهم بمعرض أن يأخذهم على غفلتهم فيكونوا من الأخسرين أعمالا . ثمّ أمرهم بإسماع الموعظة منه . والربّانيّ : العالم علم الربوبيّة المتبحّر فيه . ثمّ باحضار قلوبهم وهو التفاتهم بأذهانهم إلى ما يقول . ثمّ بالاستيقاظ من نوم الغفلة عند هتفه بهم وندائه لهم . وقوله : وليصدق رائد أهله . مثل نزّله هنا على مراده ، وأصله : لا يكذب رائد أهله . فاستعار لفظ الرائد للفكر ، ووجه المثل أنّ الرائد لمّا كان هو الَّذي يبعثه القوم لطلب الكلاء والماء أشبه الفكر في كونه مبعوثا من قبل النفس في طلب مرعاها وماء حياتها من العلوم وسائر الكمالات فكنّى به عنه ، وأهله على هذا البيان هو النفس فكأنّه عليه السّلام قال : فلتصدق أفكاركم ومتخيّلاتكم نفوسكم ، وصدقها إيّاها تصرّفها على حسب إشارة العقل فيما تقوله وتشير به دون